عبد الملك الجويني

194

نهاية المطلب في دراية المذهب

وصفنا ، فلو اتفق البرء من ذلك المرض على الندور ، [ فالذي ] ( 1 ) قطع به الأصحاب أن ما مضى كافٍ ، ولا نعيد الحد بعد البرء والاستقلال ، وقد ذكرنا تردداً في أن المعضوب إذا برأ على الندور بعدما استأجر أجيراً ، وحج عنه ، فهل يسقط فرض الإسلام عنه أم لا ؟ وليس الحد كذلك ؛ فإن مبناه على الاندفاع بالشبهة ، والمُقام منه كافٍ معتد به ، لا يتغير موجَب الاعتداد به . 11060 - ثم قال الشافعي وأصحابه : إذا كان الحد جلداً ، فينبغي ألا يقيمَه الإمام في شدة الحر والبرد ، [ ولكن ] ( 2 ) يرعى في ذلك زمانَ الاعتدال ، وهذا مما يجب صرف الاهتمام إليه ، ولا وصول إلى الغرض منه إلا بذكر ما قاله الأصحاب على وجهه ، ثم الرجوع بالمباحثة . قالوا : إذا أقام الحدَّ في شدة الحر والبرد ، فهلك المحدود ، فلا ضمان على الإمام ، هكذا نص الشافعي هاهنا ، وقال فيمن امتنع من الاختتان : " لو ختنه الإمام ، فأفضى إلى هلاكه ، يجب الضمان " فاختلف أئمتنا على طريقين : منهم من قال : في المسألتين قولان ، نقلاً وتخريجاً : أحدهما - أن الضمان يجب ؛ فإن الإمام ترك ما أُمر به من تأخر الحد ، وارتقاب اعتدال الهواء ، فكان ذلك تقصيراً منه . والثاني - أنه لا يجب الضمان ؛ فإن الهالك قتيلُ الحد ، والحقُّ قتله . ومن أصحابنا من أقر النصين قرارهما ، وفرّق بينهما ، فقال : استيفاء الحدود إلى الأئمة ، فإذا أقاموها ، لم يؤاخذوا بمواقعها ، والختان لا يتولاه الولاة ، وإنما يتعاطاه المرء من نفسه ، أو يقوم به في صباه وليّه ( 3 ) ، فإذا خاض الإمام فيه ، فهذا كان على شرط سلامة العاقبة ، هذا ما ذكروه . 11061 - وطريق المباحثة فيه أنا إذا قلنا : لا يجب الضمان إذا مات المحدود ، فلا شك أنا لا نوجب على الإمام تأخير إقامة الحد إلى اعتدال الهواء ؛ فإنا لو أوجبنا

--> ( 1 ) في النسختين : " فقد " والمثبث من المحقق رعاية للسياق . ( 2 ) في الأصل : " وكان " . ( 3 ) سقطت من ( ت 4 ) .